تونس- أحمد الحمروني
« توقفت بالجم حيث الملعب الروماني المدرج، واستمتعت مساء بمشاهدة هذا البناء الفاخر الجبار في غمرة نور القمر. وبصرف النظر عن هذا المعلم الشاهد على عظمة المعمار الروماني وصلابته، لا تنطوي الجم إلا على قرية حقيرة بائسة، بيوتها الهزيلة من شتات خرائب المعلم الروماني المذكور. وقد أهلك الجوع السكان وصاروا، بعد أن نفد القمح والشعير كله، وحتى ثمر الصبار المعروف [أي الهندي] انتهى ولم يبق منه شيء، يأكلون الخنفس وما إلى ذلك من الحشرات. ومزية الجم الوحيدة تتمثل في خلوها التام من العقارب، وهو ما يعزوه أهالي المكان السذج إلى سحر ناجم عن المعلم الروماني المذكور. ويكفي وضع عقرب على تربة الجم لكي تموت بعد قليل. وقد فتح هذا الاعتقاد المجال لتجارة يقوم بها الأهالي بأحجار المعلم الروماني بأن يبيعوها إلى سكان المناطق التي تكثر فيها السوام».
نختغال: طبيب المحلة، ص 259-260.
وقد لاحظ المعلق أن المجاعة في هذه «السنة الشهباء» أدت بالناس إلى أكل الحشرات والأعشاب وحتى الميتة ولحم البشر حسب ما أكده ابن أبي الضياف ونختغال في إحدى رسائله بتاريخ 16 جوان 1868 (طبيب المحلة، ص 260). أما أسطورة العقارب التي لا تعيش في حرمة قصر الجم فمثيلتها في دقة. انظر : الحمروني (أ.) : الشمال الغربي التونسي / فصول ومراجع.- دار سحر للنشر، تونس 2006 (فصل : بين التاريخ والأسطورة).
«ها نحن أخيرا، يوم 12 أفريل، في الجم. والمعلم العظيم، بالنسبة إلى القادم من صفاقس، مخفيّ تقريبا إلى آخر لحظة بغابة زياتين قديمة متوّجة لهضبة. وعندما نشاهده عن كثب تبدو كتلته ساحقة ولكن متناسقة بإعجاب. يبلغ قطره 140 مترا طولا و124 عرضا. وقد تجاوز ارتفاعه الأوّلي 30 مترا. ومن الخارج أمامنا جدار بيضويّ مبنيّ بجلاميد حُثّية جميلة جيّدة التربيع والتقصيب. وهذا الجدار مثقوب تماما بثلاثة صفوف من الأقواس فوق بعضها بعضا تضيء أروقة عالية وعريضة وتدعمها من الخارج أنصاف أعمدة كورنثيّة التيجان. وكان يعلو الطابق الثالث إفريز أثينيّ، تهدّم ثلاثة أرباعه اليوم، مزخرف بأعمدة ناتئة من نفس الطراز. وقد عُوّضت أقواس الطابقيْن الأسفليْن بفتحات مستطيلة في شكل نوافذ.
حوالي سنة 1695 شُرع في هدم الواجهة الخارجيّة عندما تحصّن بالمعلم عربان منتفضون. ومن ذلك الوقت واصل أعراب النواحي عمليّة الهدم مستغلّين المسرح كمقطع للحجر الصقيل. ولكن فيما مضى، وتحديدًا سنة 69 هـ/ 689 م تحصّنت الكاهنة المشهورة بالجمّ كما يُتحصّن بقلعة، وهي التي كافحت البيزنطيين والبربر[ !] في جبال الأوراس.
وفي الوقت الحالي اتّخذ أعراب الجم قسما من سقيفة الطابق الأرضي مكانا لنصب دكاكين صغيرة لبيع سلعهم. والصعود إلى القمّة من أخطر المجازفات. وللمعلم نفس الأثر في ضوء القمر مثل كوليزي رومة. وأصل الجم [يقصد القصر] غير متيقّن منه ولو أنّه ينسب إلى ﭭورديان القديم، ويتبع تيسدروس (Thysdrus) التي كان سورها يضمّ قرية الجم الحالية وتمتدّ على بعد كيلومتر. والآثار الوحيدة الظاهرة من المدينة القديمة خزّانان وبعض المواجل المنتثرة هنا وهناك والمقبرة التي كانت بغربيّها. وتدلّ عدّة حفر على أنّ الأعراب قاموا بعدّة حفريّات في هذا الموقع مؤمّلين استخراج قناديل ومزهريّات ونقود وأحيانا بعض التوابيت الرخاميّة الجميلة. وبقي ماجل ضخم يمكن أن يسع 10.000 متر مكعّب من الماء، وهو احتياطي كاف لتوفير لتريْن في اليوم لكلّ ساكن، طيلة ثلاثة أشهر ونصف، لساكنة تعدّ 40.000 نسمة. وغير بعيد توجد بئر هائلة بعمق 90 مترا.»

