إسلام صُبيح-رياضة العرب:
ما من شك أن المدرب الإيطالي كلاوديو رانييري هو الإسم الأكثر تداولاً في دنيا كرة القدم هذه الأيام، فالإيطالي ذو الـ 64 عاماً يعيش أفضل أيامه التدريبية وهو يقترب من تحقيق مُعجزة كروية ستتحاكي عنها سجلات التاريخ الكروي لعقود وربما قرون قادمة، فبعد أن أخبرونا أن زمن المعجزات قد ولىّ يبدو وأن لرانييري رأيٌ أخر.
المدرب الإيطالي تمكن هو وفريقه “ليسترسيتي” من تحقيق فوز هام على فريق الملايين “مانشستر سيتي” في قلب ملعب “الإتحاد” الخاص بالفريق المملوك للأمراء العرب، ليتمسك فريق “الثعالب” بصدارته للبطولة الإنجليزية برصيد 53 نقطة من 24 مباراة.
وكأن كرة القدم تريد أن تنصف كلاوديو رانييري، فرغم مسيرته التدريبية الحافلة لم يحصل الإيطالي المخضرم على المكانة التي يستحقها وقليلون من يعتبروه ضمن الصفوة، فلقبوه تارة برجل “المركز الثاني” وأخرى برجل “النجاح المنقوص” ليأتي مورينيو في 2008 لينعته جهاراً نهاراً بالفاشل ! لأنه لم يحقق ألقاباً كثيرة ووقتها كان رانييري يشرف على تدريب فريق “يوفنتوس”.
رانييري أشرف على تدريب فرق عدة منها يوفنتوس ونابولي وإنتر وروما وفيورنتينا وبارما في إيطاليا، وفالنسيا واتلتيكو مدريد وتشيلسي وموناكو خارج إيطاليا لكن ألقابه كانت شحيحة ولا تتعدى أصابع اليد الواحدة ولأن الإنتصارات والبطولات هي من تبقى في الذاكرة وتحدد قيمة ومكانة كل مدرب فقد ظُلم رانييري كثيراً وفقاً لهذا المنطق، ولم يحصل على المكانة التي يستحقها حيث لم يتم تسليط الضوء مسيرته التدريبية وضاعت جهوده سُدىّ ، فقط لأنه كان دوماً “الوصيف” !
فرانييري أعاد فيورنتينا للسيريا A وقضى معه أربع سنوات ناجحة حقق فيها كأس إيطاليا والسوبر الإيطالي .. رانييري ساهم كثيراً في فترة فالنسيا الرائعة في أواخر التسعينات وبداية الألفية بما قدمه من لاعبين أبدعوا لفترات بملعب الميستايا مثل ألبيول وكانيزاريس ومينديتا وكلاوديو لوبيز..
رانييري هو من أسس لإمبراطورية تشيلسي خلال 4 سنوات قضاها بين جدران الفريق اللندني وبني فيها فريقاً قوياً ليأتي من بعده مورينيو وتكون “مرحلة الحصاد” .. هو من ثبّت أركان “يوفنتوس” بعد عودته من السيريا B ونافس على الإسكوديتو بقوة خلال موسمين فاز فيهما على كبار إيطاليا رغم الإمكانيات المحدودة وقتها ..
هو من قارع إنتر “مورينيو” بنجومه وكان قاب قوسين او ادنى من تحقيق اللقب مع روما .. وهو من قدم للعالم الإيطالي الرائع جيانفرانكو زولا ، الإسباني الأنيق مينديتا ، أُسطورة تشيلسي فرانك لامبارد.
لذلك حتى لو لم يحقق رانييري الألقاب الكثيرة فدائماً كانت لديه القدرة على البناء وتطوير الفرق حتى مع ضعف الإمكانيات وهي ميزة لا تتوافر لدى كثير من المدربين ممن يتم تسميتهم بـ “الصفوة” ، وهو في رأيي رقم 1 في هذه النقطة.
واليوم نصل لتجربة رانييري مع فريق ليستر سيتي، تلك التجربة التي تحولت في أقل من موسم إلى رواية، يستمتع بها كل عاشق لكرة القدم حيث أصبح فريق ليستر بفضل رانييري حديث الجماهير حول العالم، فينتظرون في كل أسبوع الإستمتاع بمهارات محرز وأرقام فاردي وصدات شمايكل ودروس رانييري التكتيكية.
الفريق المتواضع الذي كان في مراكز الهبوط في نفس المرحلة من العام الماضي، يتصدر اليوم البريميرليج ويأكل الأخضر واليابس في دولة مهد كرة القدم.
فالمدرب الإيطالي إحتفظ بمعظم أفراد الفريق الذي تركه له المدرب السابق “نايجل بيرسون” وأضاف عليها بعض العناصر الممتازة التي تخدم تكتيكه ليكّون فريقاً عظيماً يقترب من صنع التاريخ، كما أستطاع أن يُخرج أفضل ما لدى القناص فاردي والموهوب محرز ليشكلا معاً ثنائي مميز يستمتع به كل عشاق البريميرليج على مختلف إنتمائاتهم.
كما يمكن أن نرى علاقة رانييري الممتازة بلاعبيه وقدرته على إبعاد الضغط عنهم وعدم رفع سقف التوقعات مع كل فوز يتحقق وبالتأكيد هذه النقطة كانت هامة جداً ليصل ليستر حتى هذه المرحلة وهو متصدر، وكلها أمور توضح قيمة وقدرات المدرب الإيطالي المخضرم.
وطوال الأربعة أشهر الماضية كان السؤال اليومي لمنابعي البريميرليج هو “هل يستطيع ليستر إستكمال المسيرة ومواصلة الحلم ؟” لكن ليستر بفوزه توالياً على ليفربول ومانشستر سيتي وتصدره للبطولة الإنجليزية بعد مرور 25 جولة يكون قد تخطى هذه المرحلة وأصبحت منافسته على لقب البريميرليج أمراً واقعاً.
لمسة إيطالية واضحة أضافها رانييري للثعالب حيث الدفاع الصلب والقدرة علي تضييق المساحات وجعل المباراة صعبة على كل المنافسين مع قدرة كبيرة على التحول السريع من الدفاع للهجوم وضرب الخصوم في مقتل إعتماداً على سرعة ومهارات رياض محرز وقدرة فاردي على إقتناص أنصاف الفرص وقتل المباراة في لحظات حاسمة، وبالتالي فهو مدرب يعرف من أين تؤكل الكتف كما تابعنا طوال الموسم.
ليستر قدم مباراة رفيعة المستوى أمام السيتي وأمامه قمة أخرى ضد آرسنال الأسبوع المُقبل، ولو تمكن رانييري أن يخرج بنقاط المباراة كاملة من ملعب الإيميريتس سيصل الفارق بينه وبين الفريق اللندني وقتها إلى ثماني نقاط وبينه وبين السيتي ست نقاط على الأقل (في إنتظار مباراته مع توتنهام)، وبالتالي سيكون لدى رانييري ونجومه أسبقية نفسية ونوعية للفوز باللقب وخاصة مع راحة لاعبي ليستر وإرهاق آرسنال والسيتي وتوتنهام نظير مشاركتهم في المنافسات الأوروبية.
كلاوديو رانييري يصنع الحدث اليوم في إنجلترا كما ساهم في رحيل جوزيه مورينيو عن جدران فريق عمره تشيلسي ليستعيد المدرب الإيطالي كبريائه أمام البرتغالي بعد أن سبق وأهانه –إن صح الثول- منذ سبع سنوات لكن الأهم هو أن يحقق رانييري المُعجزة ويحقق لقب سيضاهي كل ألقاب جوزيه مورينيو وحتى غيره.
كرة القدم في كثير من الأحيان تكون عير عادلة لكنها لو وقفت هذه المرة بجانب رانييري فهو العدل بعينه.

